الفشل الذريع.. النجاح الباهر.. والعودة إلى الديار..

بعدما أصبحت روايته “الحارس في حقل الشوفان” حديث الناس كلهم وخاصة الشباب، وحققت مبيعات استثنائية جدا، بعد سلسلة من الفشل والفشل الموالي، أصابت “سالنجر” تلك الحالة التي تصيب أي ناجح وتلك المشاعر التي تغمره.. ولأنه كان يكره الناس المزيفين والمظاهر المصطنعة قرر الإبتعاد عن الأضواء واللقاءات وانعزل في إحدى الغابات بعيدا، حاول أن يعود إلى ذاته الحقيقية، إلى الكتابة المستمرة بغض النظر عن النتيجة، بغض النظر عن الفشل أو النجاح..

بينما يغدق الناس على الناجح بكل عبارات الثناء وتقدير المجهود والشكر على روعته وإتقانه، أفكّر في الناجح نفسه، أتساءل ماذا بعد النجاح؟.. بم يشعر وكيف يتعامل مع مشاعره تلك؟.. ألا يعيش حالة نفسية استثنائية؟.. مفيدة أم مضرة؟..

أتساءل مالذي يقوم به ميسي أو رونالدو في اليوم الموالي لتتويجهما بجائزة أحسن لاعب في العالم؟ (تجيبني أنه أمر اعتيادي بالنسبة لهما؟ أتساءل كم يحتاج كي يعود إلى جو الجهد والعمل المضني المتواصل؟).. أتساءل عن الفائز بجائزة نوبل في مجاله، كيف يقضي تلك الليلة، وكم ترافقه تلك المشاعر الخاصة بالإنجاز وتحقيق المراد، ومتى يعود لمختبره مرة أخرى؟.. متى يبدأ في تأليف الكتاب الموالي ذلك المؤلف الذي يحقق كتابه مبيعات استثنائية حول العالم؟.. على مستوى أبسط بكثير، كيف يختار الموضوع الموالي من تحصد إحدى منشوراته على مواقع التواصل تفاعلا استثنائيا؟..

بعد أن تمر موجة المشاعر الجياشة التي ترافق لحظة الوصول لنجاح ما (مهما كان نوعه وعلى جميع مستوياته واختلاف مفهومه بين الأفراد) يفكر المرء في الخطوة المقبلة، ما الكتاب المقبل؟ من أين سأستمد الإلهام، والأهم من ذلك كله: هل سيكون في مستوى توقعات الناس؟..ما المنشور القادم؟ ما الرواية القادمة؟ ما العمل القادم؟.. لعنة النجاح تكمن في الدوامة التي يدخل فيها الناجح، ما القادم؟ وهل سيكون بنفس نجاح إبداعي الأخير؟..

كنت أرى النجاح على هذا الأمر على الدوام، لكني أعود وأتساءل، أليس النجاح أمرا محمودا وشيئا إيجابيا؟ -على خلاف الفشل تماما- لكن الحالة النفسية للناجح تجعلني في حيرة من أمره، في حيرة لأني لا أملك تصورا مقنعا كاملا عن النجاح والفشل والعلاقة بينهما..

وأنا أشاهد محادثة TED لإليزابيث جيلبرت، شعرت أني بدأت أفهم إحدى التساؤلات التي طالما راودتني ورافقتني، غالبا لأني عشت سلسلة من النجاحات المتوالية على الصعيد الدراسي منذ كنت صغيرا.. إليزابيث عاشت نفس المشاعر بعد أن حقق كتابها “طعام، صلاة، حب” مبيعات كبيرة حول العالم، لتجد تشابها كبيرا بينها في تلك اللحظات، وبين إليزابيث القديمة الشابة النادلة التي لم توفق لنشر أي كتاب، وقد قوبلت كل أعمالها بالرفض.. تشابها في الحالة النفسية التي تعيشها الآن، وتلك التي عاشتها في شبابها..

حسب إليزابيث فإن النجاح والفشل يبعدان الإنسان عن نفسه وذاته بنفس المسافة تماما.. بينما يبعده الفشل إلى مناطق مظلمة مليئة بالكآبة والحزن، يسحبه النجاح نحو مناطق مليئة بالأضواء والتصفيقات والبهرجة.. كلاهما يعيش فيهما الإنسان بشكل غير مستقر تماما، لذا كان لزاما عليه أن يبحث عن طريق نحو ذاته.. “نحو الديار”.. ونحو الإستقرار.. بحثت إليزابيث في مرحلة شبابها، فوجدت أنها كانت تواجه الفشل بالمزيد من الكتابة، كانت تحب الكتابة منذ صغرها، وطالما حلمت بأن تصبح كاتبة مؤلفة، لذلك كانت تعود للكتابة حتى تنجي نفسها من تلك المشاعر المدمرة.. يبدو أنها استوعبت أخيرا أنه نفس الطريق الذي عليها أن تسلكه بعد النجاح.. حتى تتخلص من تلك المشاعر، وتعود إلى ذاتها، وتعيش نفسها وتواضعها، عليها أن تعود للكتابة.. أن تعود إلى الديار (كما تسميها).. بغض النظر عن نتيجة عملها ومجهودها، فشل ذريع أم نجاح آخر..

تقول إليزابيث “دياركم هو ذلك الشيء الذي من أجله يمكن أن تكرسوا طاقاتكم -مع التفاني المنفرد- دون أن تكترثوا للنتائج النهائية..”

بالمختصر.. نجاح كل شخص منا يكمن في سرعة وعيه بالأمر وعودته لجو العمل والجد بأسرع وقت ممكن بعد أن يحظى بنجاح ما.. أو فشل ما..

هل سيقرأ الكثير من الأصدقاء ثرثرتي هاته، وهل ستحقق نجاحا (حسب معايير المجتمع الفيسبوكي) أم أنها لن تفعل؟.. لا يهم.. سأعود لأكتب أكثر وأنشر المزيد.. وهذا هو الأمر الأهم بالنسبة لي..

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s