وسام العالِم الجزائري.. ثغرة في نظام اليأس !

ربما، حرام عليّ فكريّا وحضاريا أن أدع مناسبة مثل وسام العالم الجزائري تمر دون أن أعلّق عليها.. إعلاميّا، ليس حدثا مهمّا، فهو أمر لا يثير أي جلبة ولا يثير أي استغراب، ولا يعتبر مدعاة لنقاشات متواصلة، لا يعرف بدايتها من نهايتها. رواده وصانعوه (حفل الوسام) ليسوا مادة خصبة لإلهاء الشعب وإدخاله في أنفاق أخرى، فَهُم عكس ذلك تماما، مادة خصبة لاستفاقته وتوجيه نظره وبصيرته إلى ما كان ينبغي أن يوجّه إليه حقا، نحو المشاهير المجهولين الذين ينبغي أن يُشهَّر بهم، وبأعمالهم وجهودهم وجهادهم في الثغور، بعيدا عن الأضواء الساطعة، العاملين في صمت هنالك في الأسس، الغيورين على بلادهم وأوطانهم وأبنائهم، وعلى الأجيال من بعدهم، الذين ينفقون كل قطرة من عَرَقهم من أجل واقع أحسن، كل ثانية من وقتهم من أجل مستقبل أفضل، يقدمون دون انقطاع، عطاءٌ متواصل دون مقابل، جزاءٌ من عند الله وافر..

“نعم.. للجزائر علماؤها”.. “Oui..l’Algérie a ses savants” ، نقولها ونعيدها إحياءً للأمل، نقولها ونعيدها محاولةً لمسح آثار الغبار الذي تراكم فوق منابع النور، مصابيح الواقع، أولئك الذين يجب أن نهتدي بأنوارهم وأفكارهم ورؤاهم ونتاجهم، بطريقة تفكريهم وأخلاقهم. أولئك المفكرون، الأطباء، المخترعون، الأساتذة ومربو الأجيال، أولئك هم المشاهير الحقيقيون بعيدًا عن هبل السياسيين، ومخبولي قنوات العار..

“الوسام حسام”.. حسام ضد الجهل، حسام ضد سياسات التغييب المتعمّدة وغير المتعمدة في حق العلماء والعظماء وصنّاع الحضارة الحقيقيين، ناسجي معالمها وتفاصيلها، ضد كل منابع اليأس والقنوط. “الوسام إحسان” ، لمن بُخِّست جهودهم وأعمالهم، (ولا تبخسوا الناس أشياءهم). “الوسام ثغرة”، ثغرة في نسيج الجهل والأمية، ثغرة في نظام الأمل المفقود، في نظام اليأس، ثغرة أمل في سواد النفق الحالك.

(الوسام قبلة اعتراف على جبين العالِم الذي يحترق من أجل أمته)..

وُلد الوسام من بين الركام، بين كتل اليأس. انتقل بين العلماء، بداية من شيخِ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله، إلى البروفيسور محمد صالح ناصر، البروفيسور جمال ميموني، البروفيسور عبد الرزاق قسوم، الأستاذ محمد الهادي الحسني، د. سعيد بويزري، البروفيسور محمد بولنوار زيان، الشيخ عبد الرحمن بعموري، البروفيسور كمال يوسف تومي، فريق البحث العلمي لجمعية التراث، البروفيسور أحمد جبار، البروفيسور بلقاسم حبة، البروفيسور بن عيسى عبد النبي، ليكتمل العقد في الطبعة العاشرة بتكريم رائد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين مالك بن نبي ممثلا في صاحب دار الفكر السورية المفكر محمد عدنان سالم وثلة من الأساتذة من مختلف أقطار الوطن الجزائري..

وكما قال د. محمد باباعمي: “..و أول كلمة أقولها على لسانكم، أخاطب بها الجزائر فأقول : أعتذر إليك يا جزائر، نعتذر لأمنا، نعتذر للتي ربتنا، نعتذر للتي فتحت لنا قلبها، غير أن البعض منا ارتأى أن يشوه صورتها، والبعض الآخر أدار لها ظهره، والبعض الآخر أراد أن يبيعها، أقول لكم : الجزائر لن تباع..” ، ولأنها طبعة أرادت تكريم الأستاذ والمعلم والمدرسة بشكل أساسي فقد أضاف: “.. أؤكد لكم إخوتي أنه يجوز أن تسقط كل الحصون، حصن المال يجوز أن يسقط، حصن التجارة يجوز أن يسقط، الدينار يجوز أن يسقط، لكن لا يجوز أن تسقط المدرسة، لا يجوز أن نبقي أبناءنا يتامى يمدون أيديهم للصقيع..”

الوسام أكثر من مجرد احتفال، تأثيره على الأنفس، تقريبه بين العلماء، إظهار جهودهم وأعمالهم للناس، هو ما يميّز أهداف الحفل والمؤسسة.. يعلَّمنا الوسام أن العالِم ليس بالضرورة شخص متوفّى، قد يكون إنسانا يعيش بيننا، يكدّ ويعمل ويجتهد في صمت.. الوسام صورة من صور إرادة الشعب ورغبته، عندما يقرّر الإلتفات إلى العلم وأهله، ليؤسس الحضارة القادمة على أساسٍ من العلم متينٍ، وعلى قاعدة من المعرفة قويمة..

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s